| |
 |
|
 |
| |
 |
|
|
 |
 |
| لحظات مهربة عبر مسالك الذات |
عن القضية الفلسطينية.. أيضا.. أيضا وأيضا..
في فترة من حياتي، كانت لدي عدة مواهب، منها جمع عظام الحيوانات، والأحجار، والحشرات.. مما نمىَّ لدي خبرة عالية، وأنا في مقتبل العمر، في عالم الحشرات والنباتات وتشكل الأحجار وأنواعها..وكان لفن التحنيط نصيب كبير من هذه المواهب..فقد كنت أحنط الطيور والأفاعي والحشرات، والأسماك..حتى تحولت غرفتي إلى حديقة محنطة، فيها الموتى يقفون وهم ينتظرون عودة الحياة..وكنت بذلك أحاول أن أجد معنى للموت أهيء نفسي لاستقبالها بمفاهيم خارج الفهم الديني...وحين التحقت بالجامعة، بدأت أتخلى تدريجيا عن ممارسة نشاط التحنيط وجمع العظام..فقررت ذات يوم أن أتخلص من كل شيء، سوى هدهد احتفظت به في بيتي تيمنا بالأساطير القديمة، وببركات سليمان..غير أن خالة أمي التي كانت تزورنا في بعض المناسبات كان يطيب لها أن تتبرك بالنظر إليه، واكتشفت مع مرور الأيام أنها كانت Œتنتف˜ ريش الجانب الأيمن من رأس الهدهد لأن ابن أخيها كان معتقلا Œسياسيا¡˜ في السجون وكانت تهديه بركة سليمان لأن ريش الهدهد يقي من العين ومن شر المخزن..
ظل الهدهد يفقد ريشه إلى أن غاب عن أنظاري، ولم أحظ من كل تلك الثروة سوى بريشتين حملتهما معي إلى جنائني المختارة..واليوم كلما عادت بي الذاكرة إلى اللحظات التي كنت أقتل فيها الأفاعي والطيور أصاب برهبة غريبة..أجلس فأتأمل عيون الطيور وهي تفارق الحياة بين أصابعي، أعود إلى الريشتين فأتذكر الهدهد وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة على كفي اليمنى..أتذكر طيورا مهاجرة كانت تحط على أعمدة الكهرباء فأصطادها بعد أن أوقع بها في كمين أنصبه لها ببراعة..
صرت اليوم أكثر تقديرا لمعنى الموت..معنى القتل..معنى أن تنظر إلى الحمام وهو يتناول بمنقاره حبات الزرع..معنى أن يتوقف الجسد عن الحركة ويلج عوالم الصمت في اتجاه المجهول..في اتجاه اللاعودة..في اتجاه النهاية التي لا نهاية بعدها..¡؟
أستحضر كل هذه الذاكرة بسبب المشاهد اللإنسانية التي تتكرر على أقدم منطقة في تاريخ الحضارات البشرية..فلسطين..أرى مشاهد الموت والدمار والقتل والعنف فأحار في التمييز بين الموت والحياة..من يستحق الحياة ومن لا يستحقها..الحياة حق مقدس. أحاول أن أفكر بحياد في كل التاريخ الفلسطيني. تاريخ الصراع. تاريخ العنف والعنف المتبادل. أعود منقبا في كتب التاريخ القديمة. تزيدني الحيرة ضياعا فأرى أن كل تاريخ “النضال” لم يكن سوى هياكل عظمية لأجساد تعبت من الحياة فاختارت المدافن.
أعيد مساءلة كل المفاهيمº معنى النضال؟ معنى الأرض؟ معنى المقاومة؟ معنى فلسطين؟ معنى الشهادة؟ معنى البندقية؟ معنى الخيانة؟ والنصر؟ فلا أجد غير صور الموت وأخبار الموتى والضياع والتهجير..صور لمشاهد الإبداع والحماس..¡؟
ما معنى أن Œنحرر كل فلسطين˜؟ ما معنى أن Œنتضامن مع الشعب الفلسطينيŒ؟ ما معنى أن نتبرع لشعب فلسطين؟ ما معنى نجاهد من أجل فلسطين؟ مامعنى أن يتحد العرب من أجل كلمة واحدة من أجل فلسطين؟
أجد كل المعاني تقودني إلى اللاطريق، وأتذكر نصا لصديقي الشاعر رضوان أعيساتن كان قرأه علي في بداية التسعينات من القرن الماضيº Œوأجمل الطرق الطريق التي لا تؤدي˜¡
هل حقا فلسطين تحتاج إلينا جميعا؟ هل يحتاج الشعب الفلسطيني إلى كل العالم كي يستعيد Œحقه˜؟ هل يحتاج الفلسطينيون إلى أموالنا وتضامننا؟
يبدو أن العقود الطويلة من Œالنضال˜ وŒالانتفاضة˜ لم تكن سوى ملحمة لكتابة الأشعار وصناعة الألم الذي صرنا نلتذ به جميعا، حتى تحولنا إلى مازوشيين. في الوقت الذي تغير فيه وجه المنطق الذي يحكم العالم. فلم يعد ينظر إلى العالم بالأبيض والأسود والخير والشر، بل هناك معادلات أكثر تعقيدا هي التي تنشط في كواليس الوجود..انتهى قاموس Œالخيانة˜ وŒالعمالة˜ وŒالرجعية˜.. لأن الشعب الفلسطيني ليس في حاجة إلى العالم بقدرماهو في أمس الحاجة إلى نفسه..وليس في حاجة إلى المال والمساعدات، بقدر ما هو في أمس الحاجة إلى البحث عن الأرصدة السرية التي فاقت كل تصور..إن الشعب الفلسطيني ليس في حاجة إلى تضامننا، لأن ما ينقصه هو أن يتضامن هو أولا كمكونات..
فالمسألة الفلسطينية أضحت في حاجة إلى أن يتنازل العرب عن القضية وتعود إلى الفلسطينيين، لأن المشكل يوجد فيهم أولا، وهم المسؤولون عن أوضاعهم..ينبغي أن نضع حدا لهذا الوهم الذي حملناه معنا صغارا وملأنا به الشوارع والساحات، وكنا في ساحات الكليات نتبرع بمبالغ محترمة في صناديق كان الطلبة الفلسطينيون ينصبونها لنا على أبواب المطعم الجامعي والحي، وبينما كنا نحن الطلبة نعيش التقشف ونواجه صعوبات الحياة الجامعية، كانوا هم يلبسون الملابس Œسينيي˜ ويكترون الشقق المفروشة ويقضون الليالي في تعبئة الشابات والعاهرات..ولم أكن أصدق ما كان يحكيه لي أحد الأصدقاء، إلى أن سرد علي صديق Œمناضل˜ حقيقي الفساد المالي والفضائح المالية التي يتخبط فيها العديد من المسؤولين الفلسطينيين، وكيف أن ما يفوق سبعمائة رجل بترت أرجلهم بسبب ما كانت تقدم عليه حماس من عنف ضد الجهات التي تتعاطف مع Œالسلطة الفلسطينية˜..¡
لست هنا بصدد محاكمة شعب أعزل، يغتصب في حقوقه الدنيا، وفي حقه في الحياة، لأني لا أدافع على أي جهة، وليست هناك من جهة تحتاج إلي لكي أدافع عنها، وإنما أرى أن لغة Œالشعارات˜ وŒالتضامن˜ لم تعد تجدي، فإذا كانت ذات نفع في السابق، فإن العرب إن كان هناك من شيء يميزهم، اليوم، فهو أنهم يخلفون موعدهم مع الفرص التاريخية..فإذا كانت الفرصة لاتمنح إلا مرة واحدة، فإن القضية الفلسطينية مُنحت الفرص مرات ولكنها لم تكن في الموعد..وأرى أن ما يزيد من تعميق جراح الشعب الفلسطيني هو هذا الوقوف اللامشروط للشعوب العربية التي استهوتها موهبة تحنيط الزمن والتاريخ، واستهوتها هواية Œنتف˜ ريش الهدهد الفلسطيني تيمنا بالقضية العربية والهوية الإسلامية وإثبات Œأننا هنا˜.. وكأن الشعوب العربية لم تعد تجد من قضايا سوى Œفلسطين˜، والحال أن في كل شارع من العواصم العربية فلسطين بحاجة إلى رجالاتها للوقوف في وجه مشاهد الدمار والقتل والعنف..
ينبغي أن نتخلى عن عاداتنا ومواهبنا في تحنيط اللحظات وأن نتوقف عن عادتنا في قتل الأحياء ونحنطهم كي نستمتع بحضورهم الجامد، ونحن في أعماقنا نعلم أن الموت لن يكون أبدا انتصارا على الحياة..
|
|
|
|
 |
الأولـــــــى -
الأخبار -
العالم و المدينة -
اجتماع -
معارض -
خاص -
الحياة الجمعوية -
مراسلات القراء -
سياحة
صحة -
أنشطة ملكية -
رياضة -
تقرير -
استجواب -
تحليل -
ثقافة و فن -
اقتصاد -
البيئة -
عالمي
الاشتراك -
أثمنة الإعلانات -
العمل -
روابط مفيدة -
طقس -
اتصل بنا -
حول الجريدة -
خريطة الموقع
© 2005 جريدة طنجة - تعريب : النجاح هوست
|